فصل: قال ابن عطية:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال الثعلبي:

قوله: {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}
في الدين والملة والعون والنصرة والمحبة والرحمة.
قال جرير بن عبد الله سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة، والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف، بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة»، {يَأْمُرُونَ بالمعروف} بالإيمان والخير {وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر} ما لا يعرف في شريعة ولا سنّة.
قال أبو العالية كلمّا ذكر الله تعالى في كتابة من الأمر بالمعروف فهو رجوع من الشرك إلى الإسلام، والنهي عن المنكر فهو النهي عن عبادة الاوثان والشيطان {وَيُقِيمُونَ الصلاة} المفروضة {وَيُطِيعُونَ الله وَرَسُولَهُ أولئك} إلى قوله: {وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً} ومنازل طيبة. اهـ.

.قال ابن عطية:

ولما فرغ من ذكر المنافقين بالأشياء التي ينبغي أن تصرف عن النفاق وتنهي عنه عقب ذلك بذكر المؤمنين بالأشياء التي ترغب في الإيمان وتنشط إليه تلطفًا منه تعالى بعباده لا رب غيره، وذكرت هنا الولاية إذ لا ولاية بين المنافقين لا شفاعة لهم ولا يدعو بعضهم لبعض وكان المراد هنا الولاية في الله خاصة، وقوله: {بالمعروف} يريد بعبادة الله وتوحيده وكل ما اتبع ذلك، وقوله: {عن المنكر} يريد عن عبادة الأوثان وكل ما اتبع ذلك، وذكر الطبري عن أبي العالية أنه قال كل ما ذكر الله في القرآن من الأمر بالمعروف فهو دعاء من الشرك إلى الإسلام وكل ما ذكر من النهي عن المنكر فهو النهي عن عبادة الأوثان والشياطين، وقال ابن عباس في قوله: {ويقيمون الصلاة} هي الصلوات الخمس.
قال القاضي أبو محمد: وبحسب هذا تكون {الزكاة} المفروضة، والمدح عندي بالنوافل أبلغ، إذ من يقيم النوافل أحرى بإقامة الفرض، وقوله: {ويطيعون الله ورسوله} جامع للمندوبات، والسين في قوله: {سيرحمهم} مدخلة في الوعد مهلة لتكون النفوس تنعم برجائه، وفضله تعالى زعيم بالإنجاز. اهـ.

.قال القرطبي:

{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}
فيه أربع مسائل:
الأُولى قوله تعالى: {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} أي قلوبهم متّحدة في التوادّ والتحابّ والتعاطف.
وقال في المنافقين {بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ} لأن قلوبهم مختلفة ولكن يضم بعضهم إلى بعض في الحكم.
الثانية قوله تعالى: {يَأْمُرُونَ بالمعروف} أي بعبادة الله تعالى وتوحيده، وكل ما أتبع ذلك.
{وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر} عن عبادة الأوثان وكل ما أتبع ذلك.
وذكر الطبري عن أبي العالية أنه قال: كل ما ذكر الله في القرآن من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو النهي عن عبادة الأوثان والشياطين.
وقد مضى القول في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في سورة المائدة وآل عمران، والحمد لله.
الثالثة قوله تعالى: {وَيُقِيمُونَ الصلاة} تقدّم في أول البقرة القول فيه.
وقال ابن عباس: هي الصلوات الخمس، وبحسب هذا تكون الزكاة هنا المفروضة.
ابن عطيّة: والمدح عندي بالنوافل أبلغ؛ إذ من يقيم النوافل أحْرَى بإقامة الفرائض.
الرابعة قوله تعالى: {وَيُطِيعُونَ الله} في الفرائض {وَرَسُولَهُ} فيما سنّ لهم.
والسين في قوله: {سَيَرْحَمُهُمُ الله} مُدْخِلةٌ في الوعد مُهْلةً لتكون النفوس تتنعم برجائه؛ وفضلهُ تعالى زعيمٌ بالإنجاز. اهـ.

.قال الخازن:

قوله: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض}
لما وصف الله المنافقين بالأعمال الخبيثة والأحوال الفاسدة ثم ذكر بعده ما أعد لهم من أنواع الوعيد في الدنيا والآخرة عقبة بذكر أوصاف المؤمنين وأعمالهم الحسنة وما أعد لهم من أنواع الكرامات والخيرات في الدنيا والآخرة فقال تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} يعني الموالاة في الدين واتفاق الكلمة والعون والنصرة.
فإن قلت: إنه سبحانه وتعالى قال في وصف المنافقين: بعضهم من بعض وقال في وصف المؤمنين: بعضهم أولياء بعض فما الفائدة في ذلك.
قلت: لما كان نفاق الأتباع وكفرهم إنما حصل بتقليد المتبوعين وهم الرؤساء والأكابر وحصل بمقتضى الطبيعة أيضًا قال فيهم بعضهم من بعض ولما كانت الموافقة الحاصلة بين المؤمنين بتسديد الله وتوفيقه وهدايته لا بمقتضى الطبيعة وهوى النفس وصفهم بأن بعضهم أولياء بعض فظهر الفرق بين الفريقين وظهرت الفائدة.
وقوله سبحانه وتعالى: {يأمرون بالمعروف} يعني بالإيمان بالله ورسوله واتباع أمره والمعروف كل ما عرف في الشرع من خير وبر وطاعة {وينهون عن المنكر} يعني عن الشرك والمعصية والمنكر كل ما ينكره الشرع وينفر منه الطبع وهذا في مقابلة ما وصف به المنافقون وضده {ويقيمون الصلاة} يعني الصلاة المفروضة ويتممون أركانها وحدودها {ويؤتون الزكاة} يعني الواجبة عليهم وهو في مقابلة ويقبضون أيديهم {ويطيعون الله ورسوله} يعني فيما يأمرهم به وهو في مقابلة نسوا الله فنسيهم {أولئك} يعني المؤمنين والمؤمنات الموصوفين بهذه الصفات {سيرحمهم الله} لما ذكر الله ما وعد به المنافقين من العذاب في نار جهنم ذكر ما وعد به المؤمنين والمؤمنات من الرحمة والرضوان وما أعد لهم في الجنان والسين في قوله سيرحمهم الله للمبالغة والتوكيد {إن الله عزيز حكيم} وهذا يوجب المبالغة في الترغيب والترهيب لأن العزيز هو الذي لا يمتنع عليه شيء أراد فهو قادر على إيصال العقوبة لمن أراد والحكيم هو الذي يدبر عباده على ما يقتضيه العدل والإنصاف. اهـ.

.قال أبو حيان:

{والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض}
لما ذكر المنافقين والمنافقات وما هم عليه من الأوصاف القبيحة والأعمال الفاسدة، ذكر المؤمنين والمؤمنات وقال في أولئك بعضهم من بعض، وفي هؤلاء بعضهم أولياء بعض.
قال ابن عطية: إذ.
لا ولاية بين المنافقين ولا شفاعة لهم، ولا يدعو بعضهم لبعض، فكان المراد هنا الولاية في الله خاصة.
وقال أبو عبد الله الرازي: بعضهم من بعض يدل على أنّ نفاق الاتباع وكفرهم حصل بسبب التقليد لأولئك الأكابر، وسبب مقتضى الطبيعة والعادة.
أما الموافقة الحاصلة بين المؤمنين فإنما حصلت لا بسبب الميل والعادة، بل بسبب المشاركة في الاستدلال والتوفيق والهداية، والولاية ضد العداوة.
ولما وصف المؤمنين بكون بعضهم أولياء بعض ذكر بعده ما يجري كالتفسير والشرح له، وهي الخمسة التي يميز بها المؤمن على المنافق.
فالمنافق يأمر بالمنكر، وينهى عن المعروف ولا يقوم إلى الصلاة إلا وهو كسلان، ويبخل بالزكاة، ويتخلف بنفسه عن الجهاد، وإذا أمره الله تثبط وثبط غيره.
والمؤمن بضد ذلك كله من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والجهاد.
وهو المراد في هذه الآية بقوله: {ويطيعون الله ورسوله} انتهى، وفيه بعض تلخيص.
وقال أبو تلخيص.
وقال أبو العالية: كل ما ذكره الله في القرآن من الأمر بالمعروف فهو دعاء من الشرك إلى الإسلام، وما ذكر من النهي عن المنكر فهو النهي عن عبادة الأصنام والشياطين.
وقال ابن عباس: ويقيمون الصلاة هي الصلوات الخمس.
قال ابن عطية: وبحسب هذا تكون الزكاة المفروضة والمدح عندي بالنوافل أبلغ، إذ من يقيم النوافل أجدى بإقامة الفروض، ويطيعون الله ورسوله جامع للمندوبات انتهى، سيرحمهم الله.
قال ابن عطية: السين مدخلة في الوعد مهلة، لتكون النفوس تتنعم برجائه وفضله تعالى.
وقال الزمخشري: السين مفيدة وجوب الرحمة لا محالة، فهي تؤكد الوعد كما تؤكد الوعيد في قولك: سأنتقم منك يومًا يعني: إنك لا تفوتني وإن تبطأ ذلك.
ونحوه: {سيجعل لهم الرحمن ودًا} {ولسوف يعطيك ربك} {سوف نؤتيهم أجورهم} انتهى.
وفيه دفينة خفية من الاعتزال بقوله: السين مفيدة وجوب الرحمة لا محالة، يشير إلى أنه يجب على الله تعالى إثابة الطائع، كما تجب عقوبة العاصي.
وليس مدلول السين توكيد ما دخلت عليه، إنما تدل على تخليص المضارع للاستقبال فقط.
ولما كانت الرحمة هنا عبارة عما يترتب على تلك الأعمال الصالحة من الثواب والعقاب في الآخرة، أتى بالسين التي تدل على استقبال الفعل أنّ الله عزيز غالب على كل شيء، قادر عليه، حكيم واضع كلًا موضعه. اهـ.

.قال ابن كثير:

{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}
لما ذكر الله تعالى صفات المنافقين الذميمة، عطف بذكر صفات المؤمنين المحمودة، فقال: {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} أي: يتناصرون ويتعاضدون، كما جاء في الصحيح: «المؤمن للمؤمن كالبنان يشد بعضه بعضا» وشبك بين أصابعه وفي الصحيح أيضا: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم، كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر».
وقوله: {يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} كما قال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104].
وقوله تعالى: {وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} أي: يطيعون الله ويحسنون إلى خلقه، {وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي: فيما أمر، وترك ما عنه زجر، {أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ} أي: سيرحم الله من اتصف بهذه الصفات، {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أي: عزيز، من أطاعه أعزه، فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، {حَكِيمٌ} في قسمته هذه الصفات لهؤلاء، وتخصيصه المنافقين بصفاتهم المتقدمة، فإن له الحكمة في جميع ما يفعله، تبارك وتعالى. اهـ.

.قال أبو السعود:

{والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ}
بيان لحسن حالِ المؤمنين والمؤمنات حالًا ومآلًا إثرَ بيانِ قبحِ حالِ أضدادِهم عاجلًا وآجلًا، والتعبيرُ عن نسبة هؤلاء بعضِهم إلى بعض بالولاية وعن نسبة أولئك بمن الاتصالية للإيذان بأن نسبةَ هؤلاء بطريق القرابة الدينيةِ المبنية على المعاقدة المستتبعةِ للآثار من المعونة والنصرة وغيرِ ذلك ونسبةُ أولئك بمقتضى الطبيعةِ والعادة {يَأْمُرُونَ بالمعروف وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر} أي جنسِ المعروف والمنكرِ المنتظمَين لكل خير وشر {وَيُقِيمُونَ الصلاة} فلا يزالون يذكرون الله سبحانه فهو في مقابلة ماسبق من قوله تعالى: {نسُوا الله} {وَيُؤْتُونَ الزكاة} بمقابلة قوله تعالى: {وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} {وَيُطِيعُونَ الله وَرَسُولَهُ} أي في كل أمر ونهي، وهو بمقابله وصفِ المنافقين بكمال الفسقِ والخروج عن الطاعة {أولئك} إشارة إلى المؤمنين والمؤمنات باعتبار اتصافِهم بما سلف من الصفات الفاضلة وما فيه من معنى البعدِ للإشعار ببُعد درجتِهم في الفضل أي أولئك المنعوتون بما فصل من النعوت الجليلة {سَيَرْحَمُهُمُ الله} أي يُفيض عليهم آثارَ رحمتِه من التأييد والنصرة البتة لما أن السين مؤكدةٌ للوقوع كما في قولك: سأنتقم منك {إنَّ الله عَزِيزٌ} تعليلٌ للوعد أي قويٌّ قادرٌّ على إعزاز أوليائه وقهر أعدائه {حَكِيمٌ} يبني أحكامَه على أساس الحِكمةِ الداعيةِ إلى إيصال الحقوقِ من النعمة والنقمة إلى مستحقيها من أهل الطاعة وأهلِ المعصية وهذا وعدٌ للمؤمنين متضمِّنٌ لوعيد المنافقين كما أن ما سبق في شأن المنافقين من قوله تعالى: {فَنَسِيَهُمْ} وعيدٌ لهم متضمنٌ لوعد المؤمنين فإن منعَ لطفِه تعالى عنهم لطفٌ في حق المؤمنين. اهـ.